تنهض العلاقة بين اللَّحْظ واللَّحْظَة على أصل اشتقاقيّ واحد هو الجذر (ل ح ظ)، الّذي يدور في العربيّة حول معنى النّظر بطرف العين أو النّظر السريع الخاطف؛ فيُقال: لَحَظَه يَلْحَظُه لَحْظًا ولَحَظانًا، ولَحَظَ إليه، إذا نظر إليه نظرةً خفيفةً أو جانبيّة، وهو فعل بصريّ يمتاز بالسّرعة وقِصر المدّة، قال الخليلُ: اللِّحاظ: مؤخّر العين ممّا يلي الصّدغ، والجمع لُحُظ، واللَّحْظة: النَّظْرة من جانب الأذن، قال الشّاعر:
فلمّا تَلَتْهُ الخيلُ وهو مُثابِرٌ***على الرَّكضِ يُخفي لَحْظةً ويُعيدُها
وأنشد الأصمعيُّ:
نَظَرْناهُمْ حتّى كأنَّ عيونًا***بها لقوَّةٍ من شدَّةِ اللَّحَظانِ
وأضاف ابنُ منظور على هذا قوله: والمُلاحظة: مُفاعلة من اللَّحْظ، وهو النّظر بشِقِّ العين الذي يلي الصدغ، كما ويقال: فلان لَحيظُ فلان، أي نظيره ومثيله، وجاء في المعجم الوسيط: اللَّحظة: اسم المرّة من لَحْظ العين، والوقت القصير بمقدار لحظ العين؛ ثمّ اتّسع معناها فصارت تدلّ على الوقت اليسير بقدر ما تستغرقه النّظرة الخاطفة.
ويكشف هذا التّطوّر الدّلاليّ عن انتقال الكلمة من الدّلالة على الفعل البصريّ إلى الدّلالة على الوحدة الزمنيّة؛ إذ إنّ الزّمن الّذي تستغرقه النّظرة الخاطفة قصيرٌ جدًا، فأصبح مقياسًا لأقصر مدّة زمنيّة، حتّى غلب هذا المعنى في الاستعمال العربيّ الحديث، ومن هنا تُفهم العبارات الشّائعة على اللّافتات المروريّة، مثل: الرّجاء عدم الوقوف ولو للحظة؛ فالمراد بـ اللّحظة ليس النظرة بعينها، وإنّما أقصر زمن يمكن أن يقع فيه الوقوف، أي إنّ المنع يشمل الوقوف مهما قَصُرت مدّته، ولو كانت بقدر الزّمن الّذي تستغرقه لحظةُ البصر، وهكذا حافظت الكلمة على صلتها بأصلها اللّغويّ، مع انتقالها من المجال الحسّيّ إلى المجال الزّمنّي، في صورة بديعة من صور التّطوّر الدّلاليّ في العربيّة