كلمة جائزة

كلمة "جائزة" من الألفاظ العربيّة الأصيلة المشتقّة من الجذر الثّلاثيّ (جَ وَ زَ)، وهو جذر واسع الدّلالة تدور معانيه الأساسيّة حول العبور والنفاذ والتّخطّي والاجتياز. وقد بيّن اللّغويّون أنّ أصل الفعل جازَ يعني: عبر المكان وتخطّاه، ومنه: جاز الواديَ وجاز النّهر، أي عبره وانتقل إلى الضفّة الأخرى. ثمّ تفرّعت من هذا الأصل معانٍ أخرى مثل الإذن والإمضاء والقَبول، فقيل: أجاز الأمر إذا أمضاه وأنفذه، وأجاز الرّأي إذا قبله واعتبره صحيحًا. وكذلك نقول: "اجتاز الامتحان" وهو من أكثر التّراكيب شيوعًا في العربيّة المعاصرة، وقد أثبتته المعاجم الحديثة والوسيطة. ومعناه: نجح فيه وتخطّاه بنجاح أو عَبَر مرحلته بنجاح. أمّا من النّاحية الاشتقاقيّة، فالفعل اجتاز هو فعل مزيد على وزن افتعل من الجذر (ج و ز)، وأصله يدلّ على العبور والتّجاوز. وقد ورد في المعجم الوسيط: "اجتاز الموضع: جازه"، و"اجتاز العقبة: تخطّاها".

ومن هذا الأصل الاشتقاقّي نشأت كلمة "الجائزة". وقد حفظت المعاجم العربيّة القديمة معنى يكشف عن خلفيّة تاريخيّة مهمّة للمصطلح؛ إذ كانت الجائزة في الأصل العطيّة الّتي تُمنح للمسافر أو الضيف ليتمكّن بها من مواصلة الطّريق واجتياز مرحلة جديدة من السّفر. ولهذا عرّفها اللّغويّون بأنّها "مقدار الماء الّذي يجوز به المسافر من منهلٍ إلى منهل"، أو «ما يُعطى للضّيف بعد إكرامه ثلاثة أيّام فيجوز به مسافة يوم وليلة». ويرتبط هذا المعنى بحديث الضّيافة المشهور: "الضّيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة".

ومن النّاحية الصّرفيّة، فإنّ "جائزة" مؤنّث "جائز"، أي الشّيء المسموح به أو المقبول أو النّافذ. غير أنّ الاستعمال العربيّ المبكّر نقل الكلمة من معنى "ما يُعِين على الاجتياز" إلى معنى العطيّة والمكافأة الّتي تُمنح لشخص ما تقديرًا لعمله أو منزلته. ولذلك أصبحت «الجائزة» مرادفة للعطاء والهبة والمكافأة، ثمّ استقر هذا المعنى في العربيّة الفصيحة والحديثة.

وتكشف هذه النّقلة الدّلاليّة عن تطوّر اجتماعيّ مهمّ؛ فالمجتمعات العربيّة القديمة اعتمدت على قيم الكرم والضّيافة ورعاية المسافر، وكانت الجائزة جزءًا من شبكة التّضامن الاجتماعيّ الّتي تساعد الإنسان على مواصلة رحلته. ومع انتقال المجتمعات إلى أنماط أكثر تعقيدًا من التّنظيم السّياسيّ والثّقافيّ، تحوّلت الجائزة من إعانة على السّفر إلى أداة للاعتراف الاجتماعيّ والرّمزيّ. فأصبحت تُمنح للشّعراء والعلماء والفرسان وأصحاب الإنجازات، ثمّ تطوّرت في العصر الحديث إلى جوائز أدبيّة وعلميّة وفنّيّة واقتصاديّة ذات مكانة معنويّة ومادّيّة كبيرة.

ومن منظور العلوم الاجتماعيّة، يمكن النظر إلى "الجائزة" بوصفها شكلًا من أشكال التّبادل الرّمزيّ؛ فهي لا تقتصر على تقديم منفعة مادّيّة، بل تُعبّر عن اعتراف الجماعة بقيمة الفرد ومكانته. ولهذا ارتبطت الجوائز عبر التّاريخ بمفاهيم الشّرف والمكانة والهيبة الاجتماعيّة، وأصبحت وسيلة لإنتاج الرّموز الثّقافيّة وترسيخ النّماذج الّتي ترغب الجماعة في الاحتفاء بها. ولعلّ من اللّافت أنّ المعنى الأصليّ للكلمة لم يختفِ تمامًا، بل بقي كامنًا في بنيتها الدّلاليّة؛ فالجائزة الحديثة ما تزال، بصورة رمزيّة، «وسيلة عبور» إلى مرحلة جديدة من المكانة أو الاعتراف أو النّجاح، تمامًا كما كانت الجائزة القديمة تمكِّن المسافر من عبور مسافة جديدة في رحلته.

علامات الصفحة:  لا يوجد